MAGAZINE
العيش في خوف من تغطية الإرهاب: صحفي كيني يتحدث من مخبئه
31 Jul 2019
BY ISMAIL EINASHE

العيش في خوف من تغطية الإرهاب: صحفي كيني يتحدث من مخبئه

لا يزال الصحفي الكيني ياسين جمعة مختبئاً بعد اعتقاله بسبب نشره تقارير عن هجمات حركة الشباب. في أول مكالمة هاتفية له منذ قراره أن يختبئ، تحدّث جمعة مع إسماعيل عيناشه حول تزايد التهديدات التي يتعرض لها الصحفيون في كينيا

Ismail Einashe

في مساء يوم السبت ٢٣ يناير من هذا العام (٢٠١٨)، كان الصحفي ياسين جمعة في منزله مريضًا في السرير. غادر منزله في منطقة دونهولم في نيروبي، عاصمة كينيا، لشراء بعض الأدوية من الصيدلية المحلية. ثم قام بزيارة قصيرة إلى اللحام. بعد وقت قصير من وصوله إلى المتجر، أوقفه أربعة رجال من قسم التحقيقات الجنائية، وهي وحدة من الشرطة الكينية.

تم اصطحاب جمعة إلى منزله، حيث وجد ١٤ شخصًا من إدارة البحث الجنائي يقومون بتقليب المكان أمام زوجته وأطفاله. يقول جمعة لإندكس: “كانوا يبحثون عن الأجهزة الإلكترونية، وأجهزة الكمبيوتر المحمول”. 

جمعة هو صحفي تحقيقي مخضرم معروف بتقاريره عن الحرب ضد الشباب، الجماعة الإسلامية المسلّحة في الصومال. تم اعتقاله بعد نشره أنباء على مواقع التواصل الاجتماعي حول هجوم لحركة الشباب ضد قوات الدفاع الكينية في منطقة العدّي بالصومال. في ١٨ يناير، كشف جمعة أن ١٠٣ جنود من قوات الدفاع الكينية كانوا قد قتلوا هناك، قبل ثلاثة أيام من ذلك اليوم، بعد أن هاجمهم تنظيم الشباب. كان جمعة قد قام بتغطية هذا الصراع المستمر لسنوات، وقال إنه لديه مصدر موثوق به داخل قوات الدفاع الكينية قام بتأكيد الخبر.

لكن تقاريره تتناقض مع تصريحات قوات الدفاع الكينية الرسمية. قبلها ببضعة أيام، حذر جوزيف نكيسيري، أمين مجلس الوزراء للداخلية والجنرال المتقاعد، علنًا أي شخص يقوم بنشر معلومات حول قوات الدفاع الكينية الذين قتلوا في هجمات العدّي بأنه سوف يتم اعتقاله بتهمة “التعاطف” مع حركة الشباب.

في عهد الرئيس أوورو كينياتا، ابن أول رئيس لكينيا، استخدمت الدولة القانون لتجريم الصحفيين وإسكاتهم. يقول هنري ماينا، مدير قسم شرق إفريقيا والقرن الأفريقي في منظمة “أرتيكل ١٩” التي تعنى بحرية التعبير: “كانت العديد من القوانين موجودة في اللوائح ولكن نادراً ما كانت تستخدم لتجريم الصحفيين”. تجرّم المادة ٢٩ من قانون الإعلام والاتصال “الاستخدام غير السليم لنظام اتصالات مرخص”، أي نشر المعلومات “غير القانونية” كما تراها السلطات عبر الإنترنت.

في ١٩ يناير، تم القبض على المدون إدي روبن إلاه ووجهت إليه تهم بموجب هذا القانون لمشاركته، في مجموعة  على منصة واتسآ ، صوراً للجنود القتلى من قوات الدفاع الكينية الذين قتلوا في معركة العدّي. واجه جمعة تهمة مماثلة، بسبب “سوء استخدام أداة للاتصالات السلكية واللاسلكية”، بعد أن شارك منشورًا على فيسبوك كان قد وضعه شقيق جندي كيني صومالي في العدّي. كانت التهمة أنه شارك هذا المنشور مع أتباعه دون إذن من الجيش الكين.  يشعر جمعة أن مثل هذه التكتيكات هي “طريقة كلاسيكية لإسكات الصحفيين”.

بالنسبة للصحفيين الكينيين، أصبحت وسائل الإعلام الجديدة أداة رئيسية في عملهم. على سبيل المثال، لدى جمعة ١٩ ألف متابع على فيسبو ، وهو يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لتجاوز الوسائط التقليدية والتواصل مباشرة مع قرّائه. خلال هجمات العدّي، يقول، “كان الجمهور حريصًا على معرفة ما يجري” ، لكن القنوات الإعلامية الرئيسية لم تكن تغطي الحدث. “لقد منحتني وسائل التواصل الاجتماعي فرصة لتقديم معلومات للعائلات والجمهور”، كما يقول لإندكس.

تنكر الحكومة الكينية أنها تسعى لتخويف أو إسكات الصحفيين. ولقد صرّح وزير الداخلية نكيسيري للموقع الاخباري “أفريكان أرغيومنتس” أن الحكومة تحترم وسائل الإعلام المستقلة وحرية التعبير، رغم أنه أضاف أن “هذه الحرية يجب أن تمارس بطريقة مسؤولة”.

يعرف عن كينيا أنها احدى أكثر البيئات الإعلامية حرية في شرق إفريقيا، لكن هذه السمعة قد بدأت تتغير. ففي هذا العام، أطلقت حكومة كينياتا حملة صارمة ضد حريات الصحافة.

في أعقاب العديد من الهجمات الإرهابية الكبيرة التي شنّتها حركة الشباب، شابت جهود كينيا لمكافحة التهديد الأمني ​، وفقاً لـ هيومن رايتس ووتش ، “…انتهاكات خطيرة ومستمرة ضد حقوق الإنسان على أيدي قوات الأمن الكينية، بما في ذلك عمليات القتل خارج نطاق القضاء والاحتجاز التعسفي والتعذيب” . تقول اللجنة الوطنية الكينية لحقوق الإنسان إنها سجلت ٨١ “حالة اختفاء قسري” منذ عام ٢٠١٣ في البلاد.

يقول ماينا أن منظمته وثّقت ارتفاعًا حادًا في نسبة التهديدات والاعتداءات على الصحفيين في كينيا. بين يناير وسبتمبر عام ٢٠١٥، سجلت منظمة “أرتيكل ١٩” ٦٥ هجوم على الصحفيين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في ٤٢ حادث مختلف، بما يتضمّن أعمال عنف جسدي، وتهديدات عبر الهاتف والسائل النصية، واستدعاءات من قبل الشرطة، وقيود قانونية. ومن بين هذه الحوادث، كانت ٢٢ قضية تتعلق بصحفيين يغطون الفساد، و١٢ قضية تتعلّق بالاحتجاجات، و٨ قضايا تتعلق الإرهاب والجريمة. يضيف ماينا أنه تم التحقيق في ثلاث حالات فقط من الحالات البالغ عددها ٤٢ حالة، وتم إحالة الجناة إلى المحكمة. تمثّل هذه الحالات نسبة ٧ بالمئة من مجمل الانتهاكات، كما قال، وهذا يعني وجود “مستوى مرتفع بشكل غير مقبول من الإفلات من العقاب فيما يتعلق بالهجمات على الصحفيين”.

يقرّ ماينا بأن الانتقادات الدولية للقانون الكيني قد ساهمت في تحسين الأوضاع وأن المحكمة العليا الكينية قد قررت مؤخرًا أن المادة ٢٩ من قانون الإعلام والاتصال هي غير دستورية. يقول: “لقد تم إسقاط العديد من التهم الموجهة ضد عدد من المدونين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بموجب المادة المطعون بها، وفي الحالات التي لم يتوفر فيها دليل آخر يمكّن النيابة من توجيه الاتهامات إليهم بارتكاب جرائم أخرى فقد تمت تبرئتهم”.

يضيف: “بالنظر الى طبيعة نظامنا القانوني، سوف يتم إسقاط جميع التهم المماثلة عندما يتم تحديد موعد الجلسات ذات الصلة. لم يتم تسجيل أي حالات جديدة لاتهام المدونين والصحفيين بموجب المادة ٢٩ من قانون الإعلام والاتصال”.

تم نقل جمعة من منزله إلى مخفر شرطة منطقة موثايغا، حيث تم استجوابه حول عمله الصحفي. يقول: “كان بحوزتهم هاتفي، وأرادوا معرفة مصادري في الصومال”. احتُجز لمدة يومين، قبل أن يأتي ضابط إلى زنزانته ويقول له: “حدث هناك تغيير في الخطّة”. بعد ذلك بفترة وجيزة، تم إطلاق سراحه دون توجيه تهما اليه.

عاد جمعة إلى المنزل، ولكن خوفًا من أي تداعيات أخرى، قرر الاختباء مع عائلته. “هذه هي المكالمة الأولى التي أجريها، منذ اختبائنا”، بحسب ما قاله لإندكس. اعتاد جمعة على تلقي تهديدات بسبب تقاريره، لكن ما تغير في السنوات الأخيرة، كما يقول ، هو مدى خطورة هذه التهديدات.

Ismail Einashe

Ismail Einashe regularly reports for Index on Censorship magazine from the Horn of Africa. He was born in Somaliland and is a Dart Center Ochberg fellow at Columbia University

Comments are closed.